الحداثة : ما بعد الحداثة و العرب.
***
الصديق الكريم الأستاذ إبراهيم رحمة /تحية عطرة لروحكم الطيِّبة و بعد
الموضوعية تقتضي منا قبول الواقع الذي نحن عليه و
الاعتراف أنَّه واقع موجود له مسبباته ،و من ثمة نستطيع العمل على فكفكة كل العقد
وصولاً إلى تلك القطعة المستقيمة من حبل تطورنا و تعثرنا، لنر بجلاء ووضوح من الذي
نسف تلك الاستقامة و أبدلها اعوجاجاً أوصلنا إلى ما نحن فيه من تقوقع و تخلف مقيم،
بعد أن كنا رواد نهضة و دعاة تحرير و ناصري مظلومين من الظالمين، و عاتقي عبيد، و
محرري نساء من وأد الجاهلية و من ظلم العشائرية و القبليَّة .
لا شك أن ما طرحه الأستاذ القدير "إبراهيم
رحمة" حول أولئك المخشوشنة أيديهم و القساة بطباعهم، هم من تمكنوا أن يفتحوا
قلوب النَّاس قبل عقولهم ،إذ قد حملوا للناس رسالة محمد بن عبد الله (ص) وعداً للناس
بتحريرهم من العبودية و الجور و الظلم ،و حملوا إليهم بذور مجتمع يتساوى في الناس،
لا على أساس أعراقهم و أنسابهم بل على أساس أعمالهم و تقواهم، التي هي بمعنى آخر
طيب عملهم و صدق و نزاهة مقاصدهم " فلا فضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى و
العمل الصالح"،تلك القيم هي حقاً ما قد جعلت من الإسلام الذي ساد في عهد
الرسول و قسم من عهد الخلافة الراشدة، يتسم
بأنه أكثر الأفكار تبشيراً بمستقبل أجمل و أكثر عدلاً للناس كافة، بغض النظر عن
عرقهم أو لونهم أو جنسهم، و هنا أجد الحداثة التي أتى بها محمَّد ابن عبد الله (ص)
من خلال رسالته إلى البشرية كلها بلا أدنى شك ،بمعنى أنها كانت بديلاً صحيحاً لما
كان قبل الإسلام ،بديلاً ثورياً بكل المقاييس يبعث الجديد من القيم الصحيحة بدل
الباليَّة القديمة الرَّثة، و يبقي الجيد القابل للحياة منها كما في قولته
المشهورة (ص) : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .
و اعذروني إن صنفت ما بعد الخلافة الراشدة بدور
بداية الانحلال و الرجوع عن ثوابت الرسالة، و ركب مركب الغرور و الملك، بدل مركب
الهداية و التقوى ،و لم يكن الدافع للفتوحات في عصر الأمويين و العباسيين و
الفاطميين سوى الملك و زيادة الرقعة الجغرافية التي تأتِ للخليفة بالأموال و الجاه
يورثه مالاً في عقبه، كما بقي هذا النهج سائداً حتى يومنا هذا، و لعله لم يزل أحد
عوامل تخلفنا الأساس.
إذاً : أستطيع حصر مفهوم الحداثة بالمعنى الفكري
الثوري الذي غير الواقع نحو الأفضل ،أقول استطيع حصره بعهد الرسول الأعظم ابن عبد
الله (ص) و ما بعد وفاته بزمن لم يتجاوز في أكثر الحالات تفاؤلاً عتبة العصر
الراشدي،و إثر ذلك بدأت الأمَّة العربيَّة التي وحَّدها الرسول من قبائل متقاتلة، و
جعلها أُمة مرهوبة الجانب ،بدأت تقتات بعضها بعضاً بهمجية قل نظيرها حتى في أيام
القبائل،و ما رأس الحسين و رأس عبد الله بن الزبير و رأس جوهر الصقلي، سوى أمثلة
بسيطة على همجيتنا التي لا يعترف بها المتشددين لدينا، لأنهم جزء من هذه اللعبة
الهمجيَّة و مستفيدين من تبعاتها كما نوه ربما الأخ " نبيل عودة"مشكوراً.
الآن نحن في مأزق حضاري، بل فيما بيننا و بين
الأمم الأخرى فالق حضاري لا يمكننا اجتيازه بالخيال الخصب و الوعود الموهومة، بأن
مجرد العودة إلى ماضينا التليد،سيجعلنا بحد ذاته نتجاوز تلك الهوة السحيقة بيننا و
بين تلك الأمم، بل و نسبقها أيضاً كما يحاول البعض إيهامنا بذلك،هذا محض وهم مخادع يروج
له من لهم مصلحة في بقاء الأمة على ما هي عليه من تخلف و ركود عقيم، هم وحدهم
المستفيدين منه.
ما الذي يجب فعله إذاً لتجاوز هذا الفالق الحضاري
بيننا و بين بقيَّة أُمم الأرض ؟
لا شك أنَّ من يتفهم الإسلام جيداً، لا يمكنه أن
يفرق بين البشر على أساس آخر غير عملهم، إذ " لا فضل لعربي على عجمي إلاَّ
بالتقوى و العمل الصالح "،و الذي علينا فعله للََّّحاقِ بالركب السائر بسرعة
البرق، هو أن نحتفظ لنا و في ذاتنا بما نريد من معتقدات، فهذا شأن خاص بيننا و بين
خالقنا و لا حق لنا في هذا العصر فرضه على الآخر بالقوة، فهذا خطأ فادح لم يزل يروج
له المتهورين فينا ،و لنعامل الآخر كمنتج للحضارة يعمل العمل الصالح و يرتقي به،
فنستفيد مما وصل إليه من رقي استفادة تامة في شتى ميادين العلوم بلا أية "
تابوات " عقيمة، فمن يريد اللَّحاق بأمم سبقته تطوراً عار عليه أن يكيل إليها
كل التهم جزافاً آخذاً المستوى الأخلاقي من منظوره هو، يدين تصرفاتهم حسب هواه و
معتقداته هو، متجاهلاً أن لتلك الأُمم أيضاً معتقداتها و قيمها التي لا يجوز تجاهلها
- اللهم إلا لو كنت دكتاتوراً من هذا الشرق يشنق الفكر و العقل لمجرد الشبهات -،باعتقادي
لم تكن تلك الأمم الغربيَّة التي يشتمها المستفيدين من تخلفنا ليل نهار، لم تكن
لتتبوأ تلك المكانة السامقة لو كانت بمثل هذا الانحطاط الخلقي الذي يصوروه لنا،بل
إنَّ قيم العدل و الحريَّة و المساواة، هي في تلك المجتمعات التي نناهضها و نناصبها
العداء هي قيم بخير و معافاة ،بينما لدينا نحن من ندعي التفوق الأجوف (الأخلاقي)
كل الفساد و عناصره المقززة التي زكمت رائحتها الأنوف، و لا أحد يمكنه الخوض فيها
،بينما ذلك الغرب الذي يتهموننا أننا مفتونين به، لا تمر به شاردة أو واردة دون أن
يكون للناس دور أساس في نقدها و تعريتها،حتى لو كانت بمثابة ذبابة أوباما التي
اتهم لأجلها أنه سفاح ،بينما لدينا تعليق الناس على الصلبان و الخوازيق، و انتقام
السلطات من شعوبها لأنها سلطات عاجزة عن منابع القوة تجاه الغير، هو من البطولات في
نظر المتشدقين بالتراث (الذي أعنيه بالتراث هنا ما حصل بعد الخلافة الراشدة حصرا)،
فكل هذا يحاول البعض تمريره علينا على أنه في سبيل صون التراث و الحفاظ على قيم
الأُمة التي لم يحافظوا هم يوماً على رسالتها الأساس، التي هي حصراً رسالة سيد
الخلق النبي الأعظم محمَّد (ص).
نتيجة:
من كل ما تقدم أرى الانفتاح على الآخر بصفته إنسان
بالأساس،و بصفته ماهراً بارعاً في عمله و مبدعاً ،و العودة إلى الأسس السليمة
لدعوة الرسول الأعظم محمَّد(ص) بالعدالة و الحب و الحريَّة و التكافل الاجتماعي و
الأخذ بحق الضعيف من القوي ،و وصل الجسور الثقافيَّة بيننا و بين الآخر دون وصاية
منا عليه، هذه من أبسط متطلبات النقلة النوعيَّة نحو حداثة عربيَّة تحافظ على قيم
الخير و الحق و العدالة في الموروث الثقافي لدينا ،و تهمل الرَّث و البالي و
المعادي للبشر، مما جلبه عشاق هذي الأرض اثر وفاة الرسول الأعظم ،و بلا ذلك سنكون
كما بعر العير في المؤخرة دوماً و بامتياز، و لو استمر الحال على هدي المتشددين
فينا، فلا نصيب لنا في دخول عصر الحداثة،
سوى بالتصادم العنيف الذي حصل ما يشبهه في أوربا القرون الوسطى،و عندها فقط و بعد
فوات الأوان، سندرك سبب عمى البعض فينا و عدم رؤية أبعد من أنفه، ببساطة لأنَّه ذو
مصلحة في التطاحن الذي يؤجج و يهيئ له النيران في كل بقاع عالمنا العربي كما
البسوس و ناقتها سراب.
فإلى الاندماج و مد الجسور للتواصل، و الانتقال
السريع إلى التحديث و الحداثة، و إلاَّ فالعاقبة وخيمة لا شك فيها.
تحياتي و احترامي لكم جميعاً.
***
شكراً لمتابعتكم .
بقلم : بُرهان مُحَمَّد سِيفُو.
5/10/2009
التوقيع
" محبَّة الآخرين هي الدين الحقيقي لغير
الأغبياء "
منشورة في صحيفة و منتديات العروبة على الرابط التالي :
http://alorobanews.com/vb/showthread.php?p=157808#post157808




































05 اكتوبر, 2009 06:26 م