صِرتُ كَالعُر بانِ مِنْ غَيرِ رَسولاْ
******
في السَّفَر ...
نَمضي كَما الأَطيافَ في عُمقِ المَسافَة
وَ الرُّوحُ تَغرقُ في ليالي الصَّمتِ
القَلبُ يَغمرهُ الأَسى
وَ اللَّيلُ يُرسلُ عَتمهُ حدَّ القَتامةِ في الكَثافَةِ
وَ تَغورُ في مطرِ العُيونِ النَّازِفَة
أَنوارُ هَاتيكَ السَّماءِ اللَّاهِبَاتِ الرَّاجفَة
أَيفارِقُ القَمَرُ الجميل ...؟
وَ يَضيعُ في بردِ اللَّيالي الزَّاحِفَة
وَ العِشقُ يَهجُرُني
كَما الأَطيَارُ تَترِكُهَا الظِّلالُ الوارِفَة
وَ تَمرُّ أَيَّامي الحَزينةُ
عَبرَ أَنفَاقِ السِّنين الماضِياتِ السَّالِفَة
حِينَما كَانَ الوِدادُ يَحملُنا بِجنحِ العَاطِفَة
نَغدو كَمَا الأَطيافِ في جوفِ اللَّيَالي العَاصِفَة
فَنصيرُ نَحوَ النَّجمِ حيثُ النَجمُ عَاشِق
قَمراً جَميلاً
يَا للجَمالُ يَبثُّ العِشقَ في الأَرواحِ
كَما الأَمواجُ يَبعَثُها جُنونُ العَاصِفَة
*
في الصَّمتِ تُغرقُني الحَياة
وَ الذِّكرَ ياتُ إِذ تَطفُوا
عَلى ضِفافِ الرُّوحِ يَبعثُها الرُّقَاد
فَأَصيرُ مَجنوناً يُغالبُ سُهدَهُ هَلعُ الفُؤَاد
وَ تُطِلُّ مِن عُمقِ البِيوتِ الغَافِيات
في سُكونِ اللَّيلِ مِن تِلكَ الوِهَاد
حَزينَةٌ كَالأُمنِيَات ...
أَيامُنَا الغرَّاءُ حَيثُ وَحَّدنَا الوِدَاد
وَ نَروحُ نَركُضُ في ظَهرِ الرَّوابِي الخُضرِ
خَلفَ ذاكَ السَّفحِ حَيثُ الغَدقُ نَهر
وَ الفَراشاتُ الجَّميلةُ نَعدو خَلفَهَا
وَ نَغيبُ في رحمِ الوِهَاد
وَ يَصيرُ هَذا الكُونُ الحَاناً عَلى وَترِ الفُؤاد
يَا لِذاكَ العِشقَ حَيثُ يَزرعُنَا وَ يَحصدُنَا الوِدَاد
وَ الخَافِقَانِ تَعانَقَا وَ تَعاهَدا
أَنْ يَدومَ الوَجدُ ما دَامَ الوُجُود
وَ أَنَّ الحبَّ مَا صَنعناهُ مَعاً أُسطورَةً
سَوفَ يَمضي شامخاً نحو الخُلود
*
وَ الآنَ ...
تَسأَلُني رُوحي الكَسيرةُ وَ الحَزينة
أَينَ ذَاكَ الحُبَّ في زَمَنِ الجُّحُود؟
مَاذا أُجيبُ الرُّوحَ ؟ بَلْ مَاذا أَقول؟
قَد فَقدنَا عِشقَنَا الغَالي المعطَّرِ بِالورُود
وَ نَسينَا كُلَّ أَيَّامِ الصِّبَا يَا للجُحود
وَ بأَيدينَا صَنعنَا مِنَ الصَّدِّ سُدود
يَا لبِئْسَ العِشقُ لو صَارَ نُكراناً
يَا لبِئْسِ الوِدُّ لو صَارَ جُحود
في زمانِ الغَدرِ
حِينَ تَحكُمُنا الجَّهَالةُ وَ النَّذالة ُ وَ الجُّمُود
تُظلمُ الدُّنيَا وَ تَحتَضِرُ الورُود
*
لَو عَلمنَا حِينَها ...
أَنَّ الزَّمانَ بَاتَ للغَدرِ رَفِيقَا
وَ سِيَاجَ الوَردِ مَا بنينَاهُ بِالحُبِّ جَميلاً وَ رَقِيقَا
سَوفَ تَشلعَهُ الرِّ يَاح
مِثلمَا تَشلعُ الإِنسانَ مِنْ مَنبَتِهِ
عَتمَةُ الدَّربِ وَ تَزويرُ الحَقيقَة
لَو عَلمنَا حِينَها ...
أَنَّهُ الحبُّ إِلى الهَجرِ طَريقَا
لُعبَةُ الأَقدارِ تَلعَبُها
عَبرَ إِخفَاقَاتِ جَمعٍ ضَلَّ في العَتمِ طَريقه
فَمضَى مِنْ غَيرِ هَديٍ يُلهِمُ القَلبَ بَريقَه
وَ أَماتَ الحُبَّ في سَاحَاتِهِ
قَتَلَ الوَصلَ بِنيرانٍ صَديقَه
فَمضى الحُبُّ جَريحاً نازفَاً خَلفَ هَاتيكَ الحَقيقَة
وَ تَجلَّى الحِقدُ كَالعَشواءِ
مَنْ تُصبْ تُرديِهِ لا لذَنبٍ قَد جَناه
بَلْ لأَنَّ الجَّهلَ
لمَ يَكُنْ يَوماً إِلى االعَقلِ رَفيقَا
فَهوَ مِنْ بِدءِ الخَليقَة
يَبذُرُ البَغضَاءَ في قُلوبِ الخَلقِ يا بِئْسَ الطَّريقَا
تُنبِتُ البَغضَاءُ في الأَرواحِ أَحقَاداً
في ظَلامِ الحِقدِ تُغتَالُ الحَقيقَة
*
أَيَظَلُّ عَالمي المَجنُونُ مَا أَهواهُ رَقيقَاً وَ جميلا ...؟
وَ جَمَالُ الكَونِ في غِيَابِ الحُبِّ أَمراً مُستحيلا
يَا رِفاقِي العَارفِينْ شُقُّوا للنُّورِ طَريقَا
وَ ازرعُوا الحُبَّ في كُلِّ الزَّوايَا وَ الفُصولا
انزَعُوا الحِقدَ مِنْ بَحرِ العُيونِ الخَائِفَة
وَ خُذُوهَا لِجَمالِ الكَونِ حَيثُ دِفءِ العَاطِفَة
نَهزمُ الأَحقَادَ نُقصِيهَا بَعيداً
مِثلَمَا الأَرضَ تَجلُوهَا الرِّ ياحُ العَاصِفَة
*
آه يَا حُبِّي المُسافِر ...
لَيلهُ البُعدُ كَمْ صَارَ طَويلا
عُدْ إِليَّ فَأَنا مِنْ غَيرِ عِشقكَ
صِرتُ كَالعُربانِ مِنْ غَيرِ رَسُولا
يَنشُرُ الآياتِ نُوراً هَادياً
يُزهِقُ الجَّهلَ في كُلِّ العُقولا
رُوحي تُهلِّلُ لِلِّقَاء
وَ القَلبُ يَخفِقُ مُسرعَاً
إِنَّهَا رُؤيا الِلِّقَاءِ المُستَحِيلا
في جَحيمِ الظُّلمِ حَيثُ تُغتَالُ الرِّسَالة
يُصبِحُ الحُبُّ خَيَالاً جَامِحَاً
يَخلَقُ الوَحيَ وَ يَأَتِي بِالرَّسُولا
عُدْ إِليَّ فَالحُبُّ هَديٌ
نِعمَهُ العَودُ لَو كَانَ حَبِيبَاً مُستَحيلا
*****
بقلم : برهان محمَّد سيفو .
22/9/2009
*
شرح مفردات
العَشواء : الناقة التي لا تبصر أمامها.( المنجد طبعة 1997 ).































22 سبتمبر, 2009 08:02 ص